الإمام يحيى بن الحسين
17
التحفة العسجدية
لا يكشف عن الجهل في حقه تعالى ، الا حيث كان لا يعلم إلا أحدهما ( 1 ) ثم أن هذا الدليل الذي زعم الرازي أنه لا جواب عنه يلزم منه أن يكون الباري تعالى غير مختار في رزقنا ، ولا في خلق السماوات والأرض وما بينهما ، لأنه قد سبق في علمه أنه يخلق ويرزق ، فلا بد له من ذلك ، وإلا انقلب علمه جهلا ، فيلزم عدم اختياره في شئ من أفعاله ، وقد اعترف بهذا الالزام ابن الحاجب ، وسعد الدين وغيرهما من الجبرة ، وأقروا بأنه يلزم منه الكفر . قال الرازي حكاية عن العدلية بعد كلام معناه ما سبق فيلزم ان لا يكون الله سبحانه قادرا على شئ أصلا ، وذلك كفر بالاتفاق ، فثبت أن العلم بعدم الشئ لا يمنع من امكان وجوه ، ثم قال عنهم : ولو كان الخبر والعلم مانعا لما كان العبد قادرا على شئ أصلا ، لان الذي علم الله وقوعه كان واجب الوقوع ، والواجب لا قدرة عليه ، والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع ، والممتنع لا قدرة عليه ، فوجب ألا يكون العبد قادرا على شئ ، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات ، والحركات الاضطرارية للحيوانات ، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك ، فإن من رمي انسانا بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي ، ولا نذم الآجرة ، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه وبين ما إذا لكمه انسان بالاختيار ، ولذلك فإن العقلاء ببداهة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن ، وذم المسئ ، ويلتمسون ويأمرون ، ويعاتبون ويقولون
--> 1 الايمان في حق المؤمن ، أو الكفر في حق الكافر .